الشيخ عبد الله البحراني

347

العوالم ، الإمام علي بن أبي طالب ( ع )

فإنّ للمرء أن يتصرّف في نفسه ما يشاء ، ويتولّى من أمره ما يشاء . فإذا حكم بأنّه أولى بهم من أنفسهم ، يدلّ على أنّ له أن يأمرهم بما يشاء ، ويدبّر فيهم ما يشاء في أمر الدين والدنيا ، وأنّه لا اختيار لهم معه ، وهل هذا إلّا معنى الإمامة والرئاسة العامّة ؟ وأيضا لا يخفى على عاقل أنّ ما قرّرهم صلّى اللّه عليه وآله إنّما أشار به إلى ما أثبت اللّه تعالى له في كتابه العزيز حيث قال : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد به ما ذكرناه : قال الزمخشريّ في كتاب « الكشّاف » « 1 » : النبيّ أولى بالمؤمنين في كلّ شيء من أمور الدين والدنيا من أنفسهم ، ولهذا أطلق ولم يقيّد ، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم ، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها ، وحقّه آثر لديهم من حقوقها ، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها ، وأن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب « 2 » ووقاءه إذا لحقت حرب ، وأن لا يتّبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه ، ويتّبعوا كلّ ما دعاهم إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وصرفهم عنه ، إلى آخر كلامه ، ونحوه قال البيضاويّ وغيره من المفسّرين . وقال السيّد : فأمّا الدليل على أنّ لفظة أولى تفيد معنى الإمامة ، فهو أنّا نجد أهل اللغة لا يضعون هذا اللفظ إلّا فيمن كان يملك [ تدبير ] ما وصف بأنّه أولى به ، وينفذ فيه أمره ونهيه ، ألا تراهم يقولون : السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعيّة ، وولد الميّت أولى بميراثه من كثير من أقاربه ، ومرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه ، ولا خلاف بين المفسّرين في أنّ قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ

--> ( 1 ) 3 / 414 ، عنه البحار : 37 / 245 . ( 2 ) أعضل الأمر : اشتدّ واستغلق . والخطب : الأمر العظيم .